توتـ

.
.
.
.
.
.
.
.
طرقتـ بابي سيدةٌ / قبلـ قروناً خمسة
واضعةً خمارها / وتفوح منها رائحة أزكى منـ المسكـ
تسألني / تفاحةً / !
فوهبتها أكثر
فهي لم تحتملـ عناء السفر ومشقة الطريقـ
لأجل تفاحة / لأجعلها تذهبـُ سدى
بلـ وهبتها / صندوقاً / مليئاً بالتفاح وفاكهةً متنوعة
فغادرتـ شاكرة لي /
وبعد ستة قروناً أخرى / عادتـ إليّ
لتضع بينـ يداي حمولةً منـ التفاح الناضج !
وقالتـ / هذه زكاة أموالي !
فتفاحتُكـَ تلكـ / قمتُـ بوضع بذورها بأرضي
وبعضاً منـ بذور فاكهتكـَ / وسقيتها منـ روحي
فانبتتـ وأثمرتـ /
فتكوّنتـ لدي جنةً أشتقيتـُ منـ أسمكـَ / أسماً لها
فمرتـ عليها فصولـ كلـ سنه بالتوالي ماطرةً
وهي تدر عليّ بالمشاعر الحانية / فاكهة أنية
فشكراً لكـَ / وشكراً لفاكهتكـَ المثمرة
ووداعاً
/
نثرتُـ جميع فاكهتها على مائدة نظري
فجنـ جنوني / وازدادتـ نبضاتـ فؤادي
فلحقتُـ بها بمنتصفـ طريقـ عودتها
/
رويدكـِ يا امرأة
أينـ هي َجنتك تلكـ /
التي جنيتـِ منها كلـ هذه الثمار الناضجة
فأومأتـ إلي / بأنـ أسير بجوارها
فسرنا سوياً /
ومضينا في طريقنا سبع ليالـٍ متتالية
إلى أنـ وصلنا تلكـ الجنة المليئة /
بأشجارٍ طرية الثمار/ ندية الأوراقـ
ونهرٌ يمتد منـ شمالها إلى جنوبها
فقالتـ هذه هي جنتي /
فسحرني جمالها وهولـ ما تحتويه
/
/
/
(2)
أمسكتـ بيدي / وأدخلتني قصرها
وقدّمتـ لي قدحاً منـ شرابـ التوتـ
وقالتـ مرحى بكـَ أيها الأنيقـ في ممتلكاتي/
إنـ رغبتـَ بالإقامة معي / فمرحباً بكـ
وإنـ أردتـ التزود بفاكهة فقط / فمرحباً بكـ أيضاً
فأقطفـ ما تشتهيه روحكـ / وتذوقـ ما يحلو لكـ
فسألتها بفرحٍ
وهلـ لي / أنـ أبني لي بيتاً في الجنة /
هنا في جنتكـِ / فقالتـ مبتسمةً / لكـ هذا
/
/
فأقمتـ مسكني المتواضع /
ومع صباحي المشرقـ بإطلالتها /
ارتشفـ بعضاً منـ عصائر فاكهتها /
وأمتع نظري بمشاهدتي لجنتها الساحرة
وأسير بينـ شجيراتها المثمرة والمزهرة /
العديدة الألوانـ / واشمم عبير ورودها
وابللـ شفاهي / بقطراتـ منـ نهرها الفراتـ
وأستظلـ / تحتـ أشجار زيتونها بوقتـ ظهيرتي
وأطوّفـ بقصرها المرصع بالجواهر/
لعلي أرى نور وجهها الذي لم أره
وأعود في مسائي إلى مضجعي
فالتحفُـ بضفائر طبعها / وأهيم بنثر أحلامها
ليسكرني حلم أنثاي هذه / سارح الفكر
ثملاً بها إلى أنـ يأتي صباحي الأخر
/
/
(3)
في يومٍ منـ الأيام فقدتُـ سيدة الجنة
بحثتُ عنها فلم أجدها
وعندما هممتـُ بالخروج في يومي الثامنـ /
وجدتُـ بعتبة بابي صندوقاً صغيراً منـ الخشبـ /
يتدلى مع أطرافه / عناقيد عنبـ
فعلمتُـ بأنه منها / تذوقته
فملكني مذاقه المختلفـ
وبدأتـُ أجمع ما بجوفه /
لأضعه بجوفـ رمالـ الشوقـ / التي بجانبـ مسكني
وأقوم بسقيه بماء مشاعري الصادقة /
مع كلـ إشراقة شمسـ
وكأنني أريد جنةً بداخلها جنة /
مرتـ الأيام ولم أشاهدها /
فقط ذلكـ الصندوقـ الخشبي الذي أجده دائماً
فأزداد اشتياقي لها /
ولأنني أعيشـ على أملـ العودة /
استنشقـ مع كلـ صباح / زهور جنتها /
وأتذوقـ ما بقي منـ ثمارها
/
/
(4)
مللـ وقتي منـ انتظارها تسع سنينـ
فخرجتُ لألهو قليلاً خارج أسوار جنتها
وذهبتـُ ارتع هنا وهناكـ
فوجدتُـ أناسـٌ يتوافدونـ / على بستانٌـ أحمر الأسوار
فسالتـُ احدهم ما بالكم / فأجابـ / نريد غذاءً
فإذا بهم فقراء تلكـ القرية / يريدونـ رزقهم
فراقبتهم /
وما أنـ دخلوا جميعاً / حتى لحقتـُ بهم
فإذا بما يبهر النظر / ويُسكر العقلـ والقلبـ معاً /
منـ هولـ ما يحتويه ذلكـ البستانـ
لم امدد يداي إلى ثماره / عشرة أيام متواصلة
فما أنـ أخرجتـ صندوقي الذي أخفيه عنهم /
وبدأتـ بإعطاء مَنـ حولي مِنـ فاكهة الجنة
حتى اكتظ مكاني بأولئكـ الناسـ
عزيز قومٍ و ذليلهم / غنيهم وفقيرهم
يتهافتونـ على ثمار الجنة التي أحملها
البعضـ / أخذ منها رزقا
والأخر فضّلـ النظر لجمالها /
فكانـ منـ ضمنهم / سيدةٌ جميلة
يبدو أنها صاحبة ذلكـ البستانـ
فبدأ لها بأنني ذلكـ المعتوه وقد حضر
فرحبتـ بي / وكأنني هوَ
لكنني أنكرتُـ مقارنتي بمنـ أرادتـ
سيدتي / أنما أنا مجرد فقيرٌ كباقي الفقراء
أتى للتزود بالثمار /
ويتصدقـ ببعضـ / ما في صندوقه
/
/
حاولتُـ مراراً / بردعها
فجنـّ جنونها وقالتـ
أليستـ أنا / منـ كانتـ سيدةً لقلبكـ
فقلت لا / ولكنـ ..
أطبقتـ شفاهي بكفها الأيمنـ /
وقالتـ أنني حفظتُـ ملامح وجهكـ / وقوامكـ
رغم رثاء ثيابكـ هذه / ورغم كهولة جسدكـ
فلا توهمني بأنكـَ لستـَ هوَ
فأنني لا زلتـ أحبكـَ /
فصارعتُـ نفسي إحدى عشرة سنة /
فانهار صبري /
فقلتـ / وأنا كذلكـ
أنني أحبكـِ
/
/
(5)
فزتُـ بلقبـ فارسها
وخسرتُـ حساً راقياً /
كنتُ أحسـ به / لسيدة جنتي
مرت الأيام والسنينـ
وسنة تلوى الأخرى
وكأنني مجرد ببغاء غبي
يردد ما يحلو لأسماع هذه السيدة
فغلظ فؤادي / منـ ما أنا فيه
فلم أحسسـ بما أقوله قط
و بدأ لي بالاستمرار عطفاً عليها
مجاراةً لمشاعرها الرقيقة
وحتى لا أفقد بعضاً منـ زادي / فأموتـ جوعاً
/
/
/
(6)
بتُـ في حجرةً مغلقة / لا تحتوي على نافذة للحياة
أدميتُـ قلبي لأجلـ / أنـ لا أكونـ قاسياً على أحد
فلم أستطع تذوقـ / طعم فاكهة ولا نوم
فخذلتـُ أحاسيسي ومشاعري الصادقة / وحاربتها
إلى أنـ بتُـ افقد صوابي
فناديتها / يا سيدة هذا البستانـ
فما أنـ دنتـ مني
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ